نحو نهضة إعلامية مغربية: من منطق ردّ الفعل إلى صناعة التأثير

نحو نهضة إعلامية مغربية: من منطق ردّ الفعل إلى صناعة التأثير

رغم التحولات العميقة التي يشهدها المغرب على مستويات متعددة، ما يزال المشهد الإعلامي الوطني يعاني أعطابًا بنيوية واضحة، تجعله غير قادر على مواكبة هذه الدينامية، ولا على ترجمتها إلى سردية متماسكة وقوية، داخليًا وخارجيًا. إعلام في جزء كبير منه ما زال حبيس منطق ردّ الفعل، يلاحق الأحداث بدل استباقها، ويستهلك الوقائع بدل تحليلها، ويغرق في منسوب مرتفع من الإثارة والبحث عن “البوز” على حساب العمق والمهنية والمسؤولية.

في زمن لم تعد فيه المعارك تُخاض فقط بالاقتصاد أو السياسة أو السلاح، بل بالصورة والرواية والتأثير، يصبح ضعف الإعلام ليس مجرد إشكال مهني، بل ثغرة استراتيجية. فالقوة الناعمة اليوم، تُصنع عبر إعلام ذكي، محترف، قادر على بناء خطاب مقنع، والدفاع عن المصالح الوطنية، والتأثير في الرأي العام الدولي، بنفس القدر الذي يؤثر به في الوعي الداخلي.

لقد كشفت التجربة المغربية في القطاع الرياضي عن حقيقة بالغة الدلالة: النجاح لا يولد صدفة، ولا يُبنى بالارتجال. ما تحقق رياضيًا خلال السنوات الأخيرة هو ثمرة رؤية واضحة، واستراتيجية طويلة النفس، واستثمار في الإنسان قبل البنية، وفي الكفاءة قبل الواجهة. اشتغل المغرب بصمت، آمن بالمشروع، راهن على التأطير والتكوين والحكامة، وترك النتائج تتحدث بلغة الأرقام والإنجازات، ففرض احترامه وغيّر صورته عالميًا.

هذا النموذج، في جوهره، قابل للاستنساخ في المجال الإعلامي. فالمغرب لا يعاني خصاصًا في الطاقات ولا في الكفاءات، بل يزخر بصحافيين ومهنيين وباحثين قادرين على إنتاج محتوى رفيع المستوى، ومنافس إقليميًا ودوليًا. الإشكال الحقيقي يكمن في غياب رؤية إعلامية وطنية واضحة، تُحدد الأدوار، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع التأثير في صلب العمل الإعلامي، لا عدد المشاهدات أو عناوين الإثارة السريعة.

إن الإعلام، في سياق الدول الصاعدة، ليس ترفًا ولا قطاعًا هامشيًا، بل أداة سيادية بامتياز. دوره لا يقتصر على نقل الخبر، بل يتعداه إلى تحصين المجتمع ضد الإشاعة والتضليل، وتثمين المنجزات دون تلميع، ونقد الاختلالات دون تهويل، والدفاع عن القضايا الوطنية بمنطق الحجة والمعرفة، لا بمنطق الانفعال وردود الفعل المتأخرة.

النهضة الإعلامية المنشودة تقتضي أولًا إرادة سياسية ومؤسساتية تعي خطورة المرحلة، وثانيًا استثمارًا حقيقيًا في التكوين المستمر، والتحليل، وصحافة العمق، والوسائط الجديدة، وثالثًا تحرير الإعلام من منطق الريع والسطحية، وربطه بثقافة المشروع والنتائج، كما حدث في الرياضة.

لقد أثبت المغرب أنه قادر على التحول حين تتوفر الرؤية ويُحسن الاختيار. وكما نهض رياضيًا حين آمن بالمشروع، يمكنه أن ينهض إعلاميًا بالمنطق نفسه، وبالجرأة ذاتها. فالسؤال لم يعد: هل نملك الإمكانيات؟ بل: هل نملك الإرادة لنخوض معركة الوعي والتأثير بنفس الجدية التي خضنا بها معارك أخرى وربحناها؟

الجواب، في نهاية المطاف، سيكتبه الإعلام نفسه… إن قرر أن يكون جزءًا من الحل، لا شاهدًا على الأعطاب فقط.
عبد الغني المرابط