عبد الغني المرابط
في كل موسم رمضاني، تتحول الشاشة الصغيرة إلى فضاء جامع لملايين المغاربة، حيث تلتقي العائلات حول أعمال درامية يفترض أن تعكس تنوع المجتمع وتثري النقاش العام. غير أن بعض المشاهد، بدل أن تعزز قيم الاحترام والاعتراف المتبادل، تعيد إنتاج صور نمطية تختزل مناطق بكاملها في أوصاف سلبية عابرة. وهذا ما أثار جدلاً واسعاً عقب بث أحد الحوارات في مسلسل «شكون كان يقول» المعروض على القناة الأولى خلال رمضان 2026.
في المشهد المتداول، يُذكر اسم “عبد الحق ولد الرشيدية” مقروناً بعبارة “مسكين”، وكأن الانتماء إلى الرشيدية قرين تلقائي للشفقة أو الدونية. ويتعزز الإيحاء الساخر بعبارات أخرى تلمّح إلى الفقر والحرمان، في سياق كوميدي يُعرض أمام ما يقارب أربعين مليون مشاهد خلال ذروة المشاهدة الرمضانية. قد يبدو الأمر للبعض مجرد دعابة عابرة، لكن أثر الصورة حين تُكرر وتُبث على نطاق وطني يتجاوز حدود المزاح.
ليست هذه المرة الأولى التي يُستدعى فيها اسم الرشيدية في الإعلام مقروناً بالكوارث الطبيعية أو العزلة أو الهشاشة الاجتماعية. فمنذ سنوات، كثيراً ما ارتبط ذكرها بأخبار الطرق المقطوعة أو الجفاف أو أمراض العيون. غير أن الخطير حين تنتقل هذه الصورة من التقارير الإخبارية المرتبطة بسياقها الموضوعي إلى الدراما الكوميدية، حيث يُختزل الإنسان في خلفيته الجغرافية، ويُحوَّل الانتماء المكاني إلى مادة للتنميط.
الدراما، بطبيعتها، ليست مجرد ترفيه؛ إنها قوة رمزية تصوغ المخيال الجماعي. وحين يُربط اسم مدينة مثل الرشيدية بصفة “مسكين” في حوار ساخر، فإن الرسالة الضمنية قد تُفهم باعتبارها إقراراً بأن أبناء تلك الجهة أقل حظاً أو مكانة. هذا النوع من الإيحاءات يعمّق الفجوة الرمزية بين المركز والهامش، ويعيد إنتاج تراتبية غير معلنة بين مناطق الوطن الواحد.
المفارقة أن صاحب النص، هشام الغافولي، يُعد من الأسماء الشابة التي بصمت المشهد الدرامي المغربي بأعمال ناجحة مثل «عايشة» و«زنقة السعادة» و«ديرو النية». وهو اليوم يشارك في كتابة سيناريو «شكون كان يقول». غير أن النجاح الفني لا يعفي من مسؤولية الانتباه إلى الأثر الاجتماعي للكلمة، خاصة حين يتعلق الأمر بتمثيل مناطق وجهات بكاملها. فالإبداع الحقيقي لا يقوم على استسهال النكتة الجاهزة، بل على مساءلة الصور النمطية وتفكيكها.
إن رجال الرشيدية، كما نساؤها وشبابها، ليسوا عنواناً للشفقة، بل امتداد لتاريخ عريق من الكفاح والعمل والعطاء. من واحات تافيلالت خرج علماء وتجار ومجاهدون ساهموا في بناء الدولة المغربية عبر قرون. ومن صحرائها وجبالها تشكلت قيم الصبر والكرامة والاعتماد على الذات. الرشيدية ليست هامشاً، بل جزء أصيل من الذاكرة الوطنية، وفضاء ثقافي غني بالتراث الحساني والأمازيغي والعربي.
قد يدافع البعض بأن الدراما الكوميدية تبالغ بطبيعتها، وأن الشخصية لا تمثل إلا نفسها. لكن حين يتكرر ربط اسم مدينة معينة بصورة سلبية، يصبح الأمر أقرب إلى خطاب رمزي متراكم، لا إلى موقف فردي معزول. وهنا تبرز الحاجة إلى وعي أكبر من صناع المحتوى، خاصة في مؤسسة إعلامية عمومية من حجم القناة الأولى، التي يُفترض أن تعكس تعددية المغرب وتحترم كرامة جميع جهاته.
إن النقد هنا لا يستهدف شخصاً بعينه، بل يدعو إلى مراجعة أعمق لكيفية تمثيل “الهامش” في الدراما الوطنية. فالفن، حين يسمو، يكون جسراً للتقارب لا أداة لإعادة إنتاج الفوارق. ورد الاعتبار لا يكون فقط بالاعتذار أو التوضيح، بل بإنتاج أعمال تُظهر الرشيدية وأهلها في تنوعهم وإنجازهم، بعيداً عن اختزالهم في كلمة “مسكين”.
في النهاية، يبقى السؤال: أي صورة نريد أن نقدمها لأبنائنا عن بعضهم البعض؟ صورة تقوم على التنابز الجغرافي، أم على الاعتزاز بتعدد روافد الوطن؟ الجواب مسؤولية مشتركة بين الكاتب والمخرج والمنتج والقناة، لأن الشاشة العمومية ليست مرآة عابرة، بل ذاكرة تُكتب كل ليلة أمام ملايين العيون.

