محمد العيد ، مقال رأي
منذ سنوات، أصبح موضوع التوقيت الرسمي يثير جدلا واسعا داخل المجتمع، خاصة مع التغييرات المتكررة التي تطرأ عليه بين فصل وآخر أو مناسبة وأخرى. فالساعة لم تعد مجرد وسيلة لتنظيم الوقت، بل تحولت إلى قضية تمس الحياة اليومية للناس، وإحساسهم بإيقاع النهار والليل، واستقرارهم النفسي والاجتماعي. وبين مؤيد ومعارض، يبقى السؤال مطروحا حول جدوى هذه التحولات الموسمية، ومدى انسجامها مع حاجات المجتمع وانتظاراته.
ومن أبرز مظاهر هذا الجدل العودة إلى توقيت غرينيتش خلال شهر رمضان فقط. هذا التغيير المؤقت يطرح أكثر من علامة استفهام: لماذا نختار توقيتا معينا لشهر واحد ثم نتخلى عنه باقي السنة؟ وإذا كان مناسبا ومريحًا خلال رمضان، فهل يصبح غير مناسب بعد انتهائه؟ هذا التذبذب في القرار يجعل التوقيت يبدو وكأنه إجراء ظرفي لا رؤية واضحة خلفه.
الساعة القديمة، كما يسميها الكثيرون، ليست مجرد عادة تعودنا عليها، بل هي إحساس عميق بالانسجام مع اليوم الطبيعي. حين يتوافق الاستيقاظ مع شروق الشمس، وحين يمتد المساء بنور معقول يتيح للناس قضاء شؤونهم براحة، يشعر الفرد أنه يعيش يومه كما هو، لا كما تفرضه عقارب متقدمة بساعة. هناك فرق واضح بين زمن يعاش وزمن يلاحَق.
وفي رمضان تحديدا، يتجلى هذا الإحساس أكثر. فإيقاع الحياة يتغير، والسهر يطول، والنوم يتوزع على فترات. العودة إلى غرينيتش خلال هذا الشهر تمنح نوعا من التوازن بين العبادة والعمل والحياة الاجتماعية. لكن هذا يفتح باب التساؤل: أليست الراحة النفسية والاجتماعية مطلوبة طوال العام، لا في شهر واحد فقط؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بساعة تضاف أو تنقص، بل بفلسفة في تدبير الزمن. المجتمع يحتاج إلى استقرار ووضوح، إلى توقيت غرينيتش الذي يعكس واقعه ويخدم راحته، لا إلى تغييرات موسمية تربك إيقاعه. فالزمن ليس مجرد أداة تقنية، بل فضاء نعيش فيه تفاصيل حياتنا، ومن حق الناس أن يشعروا فيه بالانسجام والحياة.

