بقلم أمين بدوي
مرة أخرى تُستدعى الرشيدية على الشاشة الصغيرة، لكن هذه المرة بطريقة صادمة: مشهد من مسلسل “شكون كان يقول” ربط المدينة بالبخل ووصم ساكنتها بأنهم “تزقريم”، في لقطة كوميدية تُعرض أمام ملايين المشاهدين، صحيح أن الدراما تقوم على المبالغة، والممثل يؤدي دوره وفق النص، لكن ربط الانتماء الجغرافي بصفات سلبية هو إساءة واضحة لا يمكن تمريرها تحت غطاء الفكاهة، لأن الضحك حين يكون على حساب هوية جماعية يتحول إلى تنميط مؤذٍ، لا إلى كوميديا بريئة.
أهل الرشيدية ليسوا مجرد صورة عابرة في مشهد، بل هم امتداد لتاريخ عريق في تافيلالت، تاريخ صاغته الواحات والقصور والجبال، من هذه الأرض خرج علماء وفقهاء، وتجار جابوا الآفاق، ومجاهدون دافعوا عن الوطن، وشباب اليوم الذين يثبتون حضورهم في ميادين العلم والإدارة والرياضة والعمل الجمعوي والمقاولة، أبناء الرشيدية معروفون بروح التضامن، باستقبال الضيف، وبالاعتزاز بالهوية الصحراوية الواحية التي تمزج بين الأصالة والانفتاح، وبين الصبر على قساوة الطبيعة والقدرة على صناعة الحياة وسط الندرة.
إن اختزال كل هذا الرصيد الإنساني والحضاري في نكتة تلفزيونية عابرة هو ظلم رمزي لمدينة كاملة ولساكنتها داخل الوطن وخارجه، قد يبرر البعض أن السياق الدرامي سيقلب الصورة لاحقًا، لكن الانطباع الأول هو الأقوى، وهو الذي يترسخ في المخيال الجماعي، خاصة عندما يُبث عبر شاشة عمومية يفترض فيها احترام التعدد والخصوصيات الجهوية.
الفن الحقيقي لا يقوم على التنميط ولا على إعادة إنتاج الصور الجاهزة، بل على تفكيكها وبناء وعي جديد يحترم كرامة الناس، الرشيدية ليست قالبًا هزليًا، بل فضاء للكرم والعمل والاجتهاد، وأبناؤها ليسوا شخصيات ورقية في سيناريو، بل مواطنون فاعلون يساهمون في بناء المغرب من مواقع متعددة، ومن واجب كل صانع محتوى أن يدرك أن الكلمة والصورة مسؤولية، وأن الضحك يمكن أن يجمع الناس… كما يمكن أن يجرحهم.
الله المستعان

